محمد حسين هيكل
59
حياة محمد ( ص )
من البلاد ؛ وكانت حليفة الإمبراطورية البزنطية ورافعة علم المسيحية على البحر الأحمر ، كما كانت بزنطية رافعة علمها على البحر الأبيض . فلمّا بلغت النجاشي رسالة القيصر بعث مع اليمني ، الذي حمل إليه هذه الرسالة ، جيشا جعل على رأسه وفي جنده أبرهة الأشرم . وغزا أرياط اليمن وملكها باسم عاهل الحبشة ، وظلّ على حكمها حتى قتله أبرهة وتولّى الأمر مكانه . وأبرهة هذا هو صاحب الفيل ، وهو الذي غزا مكة ليهدم الكعبة فأخفق ، على نحو ما سيرى القارئ في الفصل الآتي « 1 » . حكم فارس اليمن وملك أبناء أبرهة اليمن من بعده وفشا فيها استبدادهم . فلما طال على الناس البلاء خرج سيف بن ذي يزن الحميري حتى قدم على ملك الروم ، فشكا إليه ما هم فيه ، وسأله أن يبعث إليهم من الروم من يكون له ملك اليمن . لكن حلف القيصر والنجاشي حال دون سماعة شكاية ابن ذي يزن ؛ فخرج من عند القيصر حتى أتى النعمان بن المنذر ، وهو عامل كسرى على الحيرة وما يليها من أرض العراق . فلما دخل النعمان على كسري أبرويز دخل سيف بن ذي يزن معه . وكان كسرى يجلس في إيوان مجلسه وقد جمع فيه أجزاء عرش دارا . وكانت موشّاة بصور نجوم المجرّة . فإذا كان في مشتاه وضعت هذه الأجزاء يحيط بها ستار من أنفس الفراء تتدلّى أثناءه ثريّات من فضة وأخرى من ذهب ، ملئت بالماء ونصب فوقها تاجه العظيم ، يضرب فيه الياقوت والزبرجد واللؤلؤ بالذهب والفضة مشدودا إلى السقف بسلسلة من ذهب . وكان يلبس نسيج الذهب ويتّشح بحليّ الذهب ؛ فما يلبث من يدخل إلى مجلسه أن تأخذه هيبته حين يراه . وكذلك كان شأن سيف بن ذي يزن . فلما تطامن وسأله كسرى عن أمره وما جاء فيه قصّ عليه أمر الحبشة وظلمها اليمن . وتردّد كسرى بادي الرأي ، ثم بعث معه جيشا على رأسه وهرز من خير بيوت فارس وأكثرها فروسيّة وشجاعة . وتغلب الفرس وأجلوا الحبشان عن اليمن بعد أن ملكوها اثنتين وسبعين سنة . وظلت اليمن في حكم فارس حتى كان الإسلام ودخلت سائر البلاد العربية في دين اللّه الإمبراطورية الإسلامية . حكم شيرويه فارس على أن الأعاجم الذين تولّوا أمر اليمن لم يكونوا خاضعين مباشرة لسلطان ملك فارس . وكان الأمر كذلك بنوع خاص بعد أن قتل شيرويه أباه كسرى أبرويز وقام في الملك مقامه ؛ فقد خيل إليه في غرارته أن العوالم تسير على هواه ، وأن ممالك الأرض تعمل لملء خزانته ولتزيد فيما أغرق فيه نفسه من نعيم . ثم إن هذا الملك الشاب انصرف عن كثير من شؤون الملك إلى متعه وملذّاته ؛ فكان يخرج للصيد في ترف لم تسمع بمثله أذن : كان يخرج يحيط به الشبّان الأمراء في ثياب حمر وصفر وبنفسجيّة ومن حولهم حملة البزاة والخدم يمسكون الفهود الأليفة بالكمامات : والعبيد حملة الطيب ومطاردو الذّباب والموسيقيون . وليشعر نفسه في قرّ الشتاء ببهاء الربيع ، كان يجلس وحاشيته على بساط فسيح صوّرت عليه طرق المملكة ومزارعها وفيها الأزهار المختلفة
--> ( 1 ) تجري بعض كتب التاريخ برواية أخرى عن سبب غزو الحبشة اليمن . وهذه الرواية تذهب إلى أن التجارة كانت متصلة بين العرب المستعربة بالحجاز وبين اليمن والحبشة . وكانت الحبشة يومئذ ذات شواطئ ممتدة على البحر الأحمر وصاحبة أسطول للتجارة . وقد طمعت الروم في طريق اليمن للاستفادة من ثروتها وخصبها ، فجهز إيلياس جالس ، حاكم مصر من قبل إمبراطور الروم ، لغزو اليمن وضمها إلى الإمبراطورية ، وركب الجيش البحر الأحمر إلى اليمن وغزاها وبلغ نجران ولكن الأمراض فتكت به ويسرت لأهل اليمن مقاومته فارتد عنها عائدا إلى مصر . ثم كانت بعد هذه الغزوة غزوات قام بها الروم ضد العرب في اليمن وفي غير اليمن ، ولكنها لم تكن أيمن من غزوة جالس حظا . إذ ذاك بدا النجاشي الحبشة أن ينتقم من اليمن التي فشت فيها اليهودية للروم المسيحيين مثله فجهز جيش أرياط فغزا اليمن واستقر بها إلى أن أجلاه الفرس عنها .